
التَّفَاؤُلُ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ
التَّفَاؤُلُ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ
14 November 2025
Ustadz Abu ‘Umar
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
يَا أَهْلَ الْقُلُوبِ الْبَاحِثَةِ عَنِ النُّورِ.. إِنَّ التَّفَاؤُلَ لَيْسَ مُجَرَّدَ صِفَةٍ تُذْكَرُ، بَلْ هُوَ رُوحٌ تَتَسَلَّلُ إِلَى أَعْمَاقِ الْإِنْسَانِ فَتُوقِظُ فِيهِ حُسْنَ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وَتَفْتَحُ لَهُ نَافِذَةً وَاسِعَةً عَلَى الرَّحْمَةِ، وَتُعِيدُ تَرْتِيبَ نَظْرَتِهِ إِلَى الْحَيَاةِ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، وَيَسْتَبْشِرُ بِالْخَيْرِ، وَيَرَى فِي التَّفَاؤُلِ أَثَرَ الْإِيمَانِ وَعَلَامَةَ التَّوَكُّلِ.
النُّفُوسُ بِطَبْعِهَا تَمِيلُ إِلَى صَاحِبِ الْوَجْهِ الْمُشْرِقِ وَالْقَلْبِ الْوَاسِعِ. النَّاسُ يَفِرُّونَ مِنَ الْمُتَشَائِمِ، وَيَطْمَئِنُّونَ لِلْمُبَشِّرِ الَّذِي يُحَدِّثُهُمْ بِكَلِمَةٍ تُنْعِشُ صُدُورَهُمْ، وَتُعِينُهُمْ عَلَى مُوَاصَلَةِ الطَّرِيقِ. وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوْقَاتِ الْأَزَمَاتِ، حِينَ تَضِيقُ السُّبُلُ، وَيَشْتَدُّ الْبَلَاءُ. فَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ تَحْدِيدًا، يَكُونُ الْمُتَفَائِلُ هُوَ الَّذِي يُشْعِلُ فِي دَاخِلِهِ شَرَارَةَ أَمَلٍ، وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: مَا دَامَ اللَّهُ رَبِّي، فَلَنْ يُضَيِّعَنِي.
وَمَعْنَى التَّفَاؤُلِ بَسِيطٌ فِي عِبَارَتِهِ، عَظِيمٌ فِي أَثَرِهِ: هُوَ تَوَقُّعُ الْخَيْرِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنَ الْأَيَّامِ. وَالْخَيْرُ بِيَدِ اللَّهِ، وَالْفَضْلُ مِنْهُ، وَالْقُلُوبُ الْمُؤْمِنَةُ تَعْرِفُ أَنَّ رَبَّهَا أَرْحَمُ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا.
وَقَدْ عَلَّمَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَدْفِنَ فِي التُّرَابِ بَقَايَا التَّشَاؤُمِ، إِذْ قَالَ:
«لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ»
قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ».
الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ هِيَ الْجِسْرُ بَيْنَ قَلْبِكَ وَبَيْنَ رَحْمَةِ اللَّهِ. كَلِمَةٌ تَبُثُّ حَيَاةً جَدِيدَةً فِي الرُّوحِ، وَتُذَكِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُغْلِقُ بَابًا إِلَّا لِيَفْتَحَ بَابًا خَيْرًا مِنْهُ.
وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ كَلِمَةِ “لَوْ” الَّتِي تَفْتَحُ أَبْوَابَ الْحَسْرَةِ وَالضَّعْفِ، وَيَقُولُ:
«اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ… وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».
فَالتَّفَاؤُلُ لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ الْقَدَرِ، بَلْ هُوَ ثِقَةٌ بِمَنْ يُجْرِي الْقَدَرَ.
وَقَدِ الْتَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي كُلِّ مَوَاقِفِهِ. كَانَ يُؤْمِنُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَلِذَا جَعَلَ الْيَأْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّ الْيَأْسَ انْكِسَارٌ أَمَامَ الدُّنْيَا، لَا يَلِيقُ بِقَلْبٍ يَعْرِفُ رَبَّهُ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ.. أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّفَاؤُلِ تَظْهَرُ عِنْدَمَا تَشْتَدُّ الْأَزْمَةُ. أَنْ تَتَوَقَّعَ الْخَيْرَ وَأَنْتَ تُحِيطُكَ مَرَارَةُ الْفَقْدِ، أَوْ أَلَمُ الْمَرَضِ، أَوْ ضِيقُ الْحَالِ. تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَظُنُّ فِيهَا النَّاسُ أَنَّ الْأَبْوَابَ تُغْلَقُ؛ تَجِدُ الْمُؤْمِنَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ قَائِلًا: يَا رَبِّ، أَعْلَمُ أَنَّ لَكَ حِكْمَةً وَرَحْمَةً، وَأَنَّ الْخَيْرَ آتٍ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
وَالتَّفَاؤُلُ يَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ:
١. حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ
٢. التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، فَلَا خَوْفَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ تَأَمَّلُوا جَمَالَ النَّفْسِ الْمُتَفَائِلَةِ: وَجْهٌ مُشْرِقٌ، صَدْرٌ وَاسِعٌ، لِسَانٌ لَا يَمَلُّ مِنَ الدُّعَاءِ، وَقَلْبٌ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ عَبْدَهُ. قَامُوسُهَا كَلِمَاتٌ مِنْ نُورٍ: أَمَلٌ، سَعْيٌ، نَجَاحٌ، رَحْمَةٌ، رِضًا، وَتَوَكُّلٌ.
وَيَظَلُّ الْقُرْآنُ أَعْظَمَ مَنَابِعِ التَّفَاؤُلِ. فَمَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ يَجِدْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴾لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴿
بَابًا كَبِيرًا لِلْعَوْدَةِ.
وَمَنْ خَسِرَ مَالًا أَوْ دُنْيَا يُخْبِرُهُ رَبُّهُ:
﴾قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴿
وَمَنْ طَالَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ يُهْمِسُ لَهُ الْقُرْآنُ:
﴾وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴿
:وَحِينَ نُقَارِنُ مَصَائِبَنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، نُدْرِكُ أَنَّ الْبَلَاءَ أَصْغَرُ مِمَّا ظَنَنَا، وَأَنَّ فِيهِ مِنْحَةً خَفِيَّةً لَا يَرَاهَا إِلَّا مَنْ قَالَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ
﴾إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴿
:أَيُّهَا الْإِخْوَةُ.. تَارِيخُ الْأَنْبِيَاءِ صَفَحَاتٌ مِنَ التَّفَاؤُلِ. انْظُرُوا إِلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَيْفَ ظَلَّ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالرَّجَاءِ رَغْمَ السِّنِينَ، وَقَالَ لِبَنِيهِ
﴾وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴿
أَمَّا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ إِمَامُ الْمُتَفَائِلِينَ. كَانَ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ فَيُعْجَبُ بِهَا، وَإِذَا رَأَى اسْمًا حَسَنًا اسْتَبْشَرَ بِهِ، وَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى – كَمَا حَدَثَ فِي الطَّائِفِ – رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ قَائِلًا:
«بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ…»
.فَهُوَ لَا يَرَى الْحِجَارَةَ الَّتِي أَدْمَتْ قَدَمَيْهِ، بَلْ يَرَى أَبْنَاءً قَادِمِينَ سَيَعْرِفُونَ اللَّهَ
وَمَعَ كُلِّ هَذَا، فَالتَّفَاؤُلُ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ. هُوَ عَمَلٌ، وَاجْتِهَادٌ، وَسَعْيٌ. هُوَ أَنْ تَبْذُلَ جُهْدَكَ ثُمَّ تَتْرُكَ قَلْبَكَ مُطْمَئِنًّا بِأَنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا تَتَوَقَّعُ
يَا عِبَادَ اللَّهِ.. لَوْ أَدْرَكْنَا فَوَائِدَ التَّفَاؤُلِ لَخَفَّتْ عَنَّا هُمُومٌ كَثِيرَةٌ. التَّفَاؤُلُ يُقَوِّي صِلَتَنَا بِاللَّهِ، يُجَدِّدُ الرَّجَاءَ فِي قُلُوبِنَا، يُنْعِشُ الْإِرَادَةَ، وَيُحَوِّلُ الْمِحَنَ إِلَى مِحَنٍ، وَيُعِيدُ لِلنَّفْسِ اتِّزَانَهَا حِينَ تَشْتَدُّ الْعَوَاصِفُ.
التَّفَاؤُلُ يُمْنَحُنَا قُدْرَةً عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارِ السَّلِيمِ، وَيَجْعَلُ عِلَاقَاتِنَا أَكْثَرَ صِحَّةً، وَأَرْوَاحَنَا أَقْرَبَ لِلطُّمَأْنِينَةِ. النَّاسُ يُحِبُّونَ الْجَالِسَ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ بِرُوحٍ مُشْرِقَةٍ، لَا الْمُثْقَلَ بِالشَّكْوَى وَالشُّكُوكِ. وَالْمُتَفَائِلُ يَزْرَعُ الْفَرَحَ فِي بَيْتِهِ وَفِي عَمَلِهِ وَبَيْنَ مَنْ يُحِبُّهُمْ.
وَقَدْ أَثْبَتَ الْعِلْمُ الْحَدِيثُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّرْعُ مُنْذُ قُرُونٍ: أَنَّ التَّفَاؤُلَ يُعِينُ عَلَى الْعِلَاجِ، وَيُقَلِّلُ التَّوَتُّرَ، وَيَرْفَعُ الْمَنَاعَةَ، وَيَجْعَلُ الْعُمْرَ أَخَفَّ وَطْأَةً. بَلْ إِنَّ أَبْحَاثًا كَثِيرَةً تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدِّمَاغَ يَبْذُلُ طَاقَةً أَقَلَّ بِكَثِيرٍ عِنْدَ التَّفَاؤُلِ مُقَارَنَةً بِلَحْظَةِ التَّشَاؤُمِ.
رَبُّوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى التَّفَاؤُلِ فِي الْأَوْقَاتِ الصَّعْبَةِ؛ فَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ يَظْهَرُ مَعْدِنُ الرِّجَالِ. الْمُتَفَائِلُونَ هُمْ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ التَّارِيخَ، وَيَقُودُونَ الْأُمَمَ، وَيَبْنُونَ الْأَجْيَالَ. أَمَّا الْيَائِسُ، فَكَيْفَ يَهْدِي غَيْرَهُ طَرِيقًا هُوَ لَمْ يَسْلُكْهُ؟